حكاية السلطان وجباة الهواء

حكاية السلطان وجباة الهواء
يُروى أن سلطانًا من سلاطين البلهاء جلس يومًا في قصره مهمومًا، وقد فرغ بيت المال حتى صار صوته إذا وقع فيه الدرهم يُسمع في أرجاء القصر.
فجمع وزراءه وقال لهم:
“يا قوم، إن خزائننا قد نضبت، فدلّوني على حيلة نزيد بها مال الدولة.”
فقام الوزير الأكبر، وكان مشهورًا بين الناس بكثرة الذكاء في أمور الجباية، وقلة الذكاء في كل ما سواها، وقال:
“يا مولاي، إن الناس ما زالوا يتنفسون، ويأكلون، ويشربون… وفي هذا كله فرص عظيمة للدولة.”
قال السلطان متعجبًا:
“وكيف ذلك؟”
قال الوزير:
“نفرض ضريبة على الطعام، وأخرى على الشراب، وثالثة على التنفس إن أمكن.”
فأعجب السلطان بهذه الحكمة العظيمة، وقال:
“والله ما سمعت رأيًا اقتصاديًا كهذا قط!”
ثم أمر الكُتّاب أن يسجلوا القوانين الجديدة، فصار الناس يدفعون الضريبة كلما أكلوا لقمة، أو شربوا جرعة ماء، حتى قال أحد الفقراء ساخرًا:
“لم يبقَ إلا أن يدفع المرء ضريبة إذا فكر!”
فلما بلغ الكلام السلطان، غضب وقال لوزيره:
“أرأيت؟ إن الناس يسخرون منا!”
فقال الوزير مطمئنًا:
“لا تقلق يا مولاي… سنفرض ضريبة على السخرية أيضًا.”
وهكذا عاش السلطان راضيًا بحكمته،
والوزير فخورًا بعبقريته،
والناس يدفعون…
إلى أن لم يبقَ في جيوبهم ما يُدفع.
وعندئذٍ تعجب السلطان وقال:
“ما بال الرعية قد افتقرت؟!”
فقال الوزير في هدوء الحكماء:
“لعلهم – يا مولاي – لا يعرفون فن إدارة الاقتصاد.”

حكاية الحكام الذين قررا مصير العالم
يُروى في كتب العجائب أن حاكمين من سادة هذا العصر جلسا يومًا يتأملان خريطة العالم، وقد بدا عليهما من الجلال ما لا يليق إلا بالأنبياء أو بالممثلين الذين يظنون أنفسهم أنبياء.
قال الأول وهو يشير إلى الخريطة:
“هنا تبدأ الحرب المقدسة.”
فقال الثاني في وقار مصطنع:
“نعم، إنها إرادة السماء.”
غير أن السماء – كما لاحظ الناس – لم تُرسل بيانًا رسميًا، ولم تعقد مؤتمرًا صحفيًا لتؤكد ذلك.
ومع ذلك مضى الحاكمان يعلنان للعالم أن ما يجري هو معركة الخير ضد الشر، وأن التاريخ كله ينتظر حكمتهما الفريدة.
لكن الغريب أن التاريخ نفسه كان مشغولًا بأشياء أخرى:
بأطفال يبحثون عن الماء بين الأنقاض،
وبأمهات يعدن أسماء الغائبين كل مساء،
وبمدنٍ كانت قبل أيام فقط مليئة بالحياة.
فقال أحد الحكماء ممن شهدوا هذا العصر:
“عجيب أمر هؤلاء القادة؛ كلما ازداد الدمار، ازداد يقينهم بأنهم ينفذون مشيئة السماء.”
أيعقل أن تكون السماء ظالمة؟

ثم أضاف في سخرية مريرة:
“ولو كانت السماء تتحدث فعلًا، لربما قالت لهم شيئًا بسيطًا:
كفّوا عن الكلام باسمي.”
وهكذا استمر الحاكمان في خطاباتهما المهيبة، يتحدثان عن القداسة، وعن المصير، وعن الحرب التي لا بد منها.
بينما كان الناس – في غزة، وفي مدن كثيرة من هذا العالم – يعرفون حقيقة أبسط بكثير: أن الحروب العظيمة كثيرًا ما تبدأ بكلمات كبيرة، لكن ضحاياها دائمًا…
بشر عاديون.

https://www.facebook.com/afrizk1/

https://x.com/ahmedfathyrizk

اترك تعليقاً

اخر المقالات

أخبار مصر
أخبار مصر
مقالات واراء
أخبار مصر
أخبار مصر
أخبار عالمية

منطقة المحررين