الأغنياء يفترسون الفقراء في غياب الانضباط وسيادة القانون

الأغنياء يفترسون الفقراء في غياب الانضباط وسيادة القانون

لم تكن “هدير” تملك أكثر من عربة صغيرة للشاي والقهوة، تقف خلفها لساعات طويلة في أحد شوارع حدائق الأهرام، تحاول أن تنتزع من الحياة نصيبًا متواضعًا من الكرامة. لم تكن ابنة ملياردير، ولم تكن نجمة مجتمع، ولم تكن وريثة شركة عابرة للقارات. كانت فقط فتاة مصرية بسيطة، خرجت تبحث عن رزقها اليومي، فعادت إلى أهلها جثمانًا.

في لحظة واحدة، تحولت عربة القهوة إلى شاهد اتهام على زمن مختلّ الموازين. سيارة فارهة يقودها قاصر بلا رخصة، وضحية لا تملك إلا تعبها اليومي. هنا لم يعد السؤال: من كان يقود السيارة؟ بل كيف وصلنا إلى مجتمع يسمح أصلًا لطفل أو قاصر أن يتحول إلى سيد الطريق، يحمل في يده آلة قتل معدنية تزن أطنانًا، بينما يدفع الفقراء ثمن الاستهتار من أرواحهم؟

أثارت الواقعة غضبًا واسعًا في مصر، خصوصًا بعد تضارب الروايات حول هوية قائد السيارة، وتداول مقاطع وشهادات متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل صدور البيانات الرسمية. وتشير المعلومات الأولية إلى أن السيارة كانت مملوكة لوالد المتهم، وأن قائدها كان قاصرًا لا يحمل رخصة قيادة، بينما باشرت النيابة العامة تحقيقاتها واستمعت إلى الشهود وتحفظت على كاميرات المراقبة.

غير أن المصريين لم يغضبوا بسبب حادث منفرد فحسب، بل لأنهم شعروا أن المشهد مألوف، يتكرر بصورة تكاد تكون مملة في قسوتها.

حادث جديد، وضحية فقيرة جديدة، وسيارة فارهة جديدة، ثم تبدأ الأسطوانة المعروفة: “لم يكن يقود”، أو “اختلت عجلة القيادة”، أو “لم يقصد”، أو “كل شيء يمكن حله”. وفي النهاية، يخرج الناس بانطباع مرير: هناك قانون يطبق على الضعفاء، وقانون آخر أكثر مرونة مع أصحاب النفوذ والثراء.

لقد تراكم هذا الشعور عبر سنوات طويلة من الحوادث التي حفرت جرحًا عميقًا في الوعي الجمعي للمصريين.

نتذكر حوادث أبناء الأثرياء الذين قادوا سياراتهم بسرعات جنونية تحت تأثير التهور أو الشعور الزائف بالحصانة. نتذكر وقائع انتهت فيها حياة عمال بسطاء، أو أسر كاملة، أو أطفال كانوا يعبرون الطريق، بينما انشغل الرأي العام بالسؤال نفسه: هل سينال الجاني عقابه كاملًا أم ستتكفل العلاقات والمحامون والصلحات بإطفاء القضية؟

وربما تكون المشكلة الأخطر ليست في فساد القضاء ذاته، فالقضاء المصري يضم قضاة مشهودًا لهم بالكفاءة والنزاهة، وإنما في البيئة المحيطة بالعدالة؛ تلك البيئة التي تسمح بالتدخلات الاجتماعية، وضغوط النفوذ، واستعراض الثروة، ومحاولات شراء الصمت أو تحويل الجريمة إلى “حادث عابر”.

إن سيادة القانون لا تعني فقط وجود نصوص قانونية صارمة، بل تعني اقتناع المجتمع بأن الجميع متساوون أمام هذه النصوص.

حين يرى الفقير أن مخالفة بسيطة قد تجرّه إلى الحبس الفوري، بينما يشاهد صاحب النفوذ يناور ويؤجل ويبحث عن المخارج، فإن ثقته في العدالة تهتز، ويصبح القانون في نظره مجرد عصا تضرب الضعفاء دون الأقوياء.

وهنا تكمن الكارثة.

فالمجتمعات لا تنهار حين يزداد الفقر فقط، وإنما تنهار عندما يشعر الفقراء أن النظام الأخلاقي نفسه قد اختل، وأن العدالة لم تعد عمياء، بل أصبحت تنظر أولًا إلى نوع السيارة، واسم العائلة، ومقدار الرصيد البنكي.

لقد أصبحت بعض المناطق الثرية في مصر مسرحًا لثقافة جديدة قوامها الاستعراض والاستهانة بالقواعد. أطفال ومراهقون يقودون سيارات لا يملكون حتى رخصة لقيادتها، آباء يعتبرون منح أبنائهم مفاتيح السيارات نوعًا من الوجاهة الاجتماعية، وأمهات يلتقطن صور أبنائهن خلف المقود باعتبارها رمزًا للنجاح، بينما يغيب السؤال الأكثر بساطة: هل هؤلاء مؤهلون أصلًا لحمل مسؤولية قد تنتهي بإزهاق أرواح البشر؟

إن امتلاك المال لا يمنح حصانة أخلاقية.

بل إن الثروة يجب أن تعني قدرًا أكبر من المسؤولية والانضباط، لأن صاحب النفوذ يمتلك من القدرة على الإضرار بالآخرين أكثر مما يمتلكه الإنسان العادي.

لكن ما يحدث أحيانًا هو العكس تمامًا؛ إذ تتحول الثروة إلى شعور بالتفوق، ويتحول النفوذ إلى وهم بعدم المحاسبة.

في المقابل، يقف الفقراء في مواجهة الحياة بأجسادهم وحدها.

هدير لم تكن تملك سيارة حديثة، ولا فريقًا من المحامين، ولا حسابات مصرفية ضخمة. كانت تملك فقط عربة قهوة، وبعض الأحلام الصغيرة التي تشبه أحلام ملايين المصريين: أن تعمل، وأن تعيش بكرامة، وأن تعود إلى بيتها آخر النهار.

لكنها لم تعد.

رحلت، وبقي السؤال الذي يطارد الجميع:

كم “هدير” أخرى يجب أن تموت حتى ندرك أن احترام القانون ليس رفاهية؟

إن الحل لا يكمن في حملات الغضب المؤقتة على مواقع التواصل، بل في إجراءات واضحة وحاسمة: معاقبة كل من يسمح لقاصر بقيادة سيارة، وتشديد الرقابة المرورية، وتسريع الفصل في القضايا التي تمس الأمن المجتمعي، وإعلان الأحكام للرأي العام بشفافية، حتى يستعيد الناس ثقتهم بأن العدالة لا تفرق بين غني وفقير.

فالعدالة ليست انتقامًا، وإنما طمأنينة.

والدولة القوية ليست تلك التي تملك أضخم الطرق والكباري فقط، بل تلك التي يطمئن فيها بائع القهوة، وعامل اليومية، وسائق التوك توك، إلى أن دماءهم ليست أرخص من دماء أبناء الطبقات المترفة.

رحلت هدير، لكن قصتها كشفت ما هو أعمق من حادث مروري.

كشفت خوف الفقراء من عالم يشعرون فيه أنهم مكشوفو الظهر، وكشفت حاجة المجتمع المصري إلى تجديد عقده الأخلاقي والقانوني.

فإذا غابت سيادة القانون، تحول المال إلى أنياب، والنفوذ إلى مخالب، وأصبح الفقراء فرائس سهلة في غابة أنيقة ترتدي البدل الفاخرة وتتحدث عن التحضر.

وعندئذ، لا يعود السؤال: من دهس هدير؟

بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا:

من دهس فكرة العدالة نفسها؟

https://www.facebohttps://x.com/ahmedfathyrizkok.com/

اترك تعليقاً

اخر المقالات

أخبار مصر
أخبار مصر
أخبار عالمية
أخبار عالمية
أخبار عالمية
مقالات واراء

منطقة المحررين