كأس العالم 2026: حين تتحول كرة القدم إلى متاهة بيروقراطية

كأس العالم 2026: حين تتحول كرة القدم إلى متاهة بيروقراطية

كان الناس ينتظرون كأس العالم كما ينتظر الأطفال الأعياد. أربعة أعوام من الشغف والترقب تنتهي بشهر من الجنون الجميل؛ أعلام تتراقص فوق الشرفات، وصداقات عابرة للقارات، وذكريات لا تموت. كان المونديال، رغم كل عيوبه، احتفالًا إنسانيًا نادرًا، تلتقي فيه الشعوب تحت راية كرة القدم، فتنتصر اللعبة على السياسة ولو مؤقتًا.

لكن يبدو أن بطولة 2026 قررت أن تكون شيئًا آخر تمامًا.

هذه المرة، لا يكفي أن تكون عاشقًا لكرة القدم، ولا أن تدخر راتب عام كامل لتشاهد منتخبك الوطني، بل يجب أن تكون خبيرًا في قوانين الهجرة، ومستشارًا قانونيًا في شؤون التأشيرات، ولاعبًا محترفًا في لعبة المتاهات الإدارية.

لقد تحولت البطولة من مهرجان شعبي عالمي إلى اختبار قاسٍ للصبر والقدرة المالية والعصبية.

ثلاث دول… وثلاثة أبواب مختلفة

لأول مرة في التاريخ، تستضيف ثلاث دول بطولة كأس العالم: الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك.

قد يبدو الأمر في ظاهره احتفالًا بالتعاون الدولي والانفتاح، لكنه في الواقع يطرح أسئلة مقلقة.

كيف يمكن للمشجع العادي أن يتنقل بين ثلاث دول تختلف قوانين الهجرة فيها؟

كيف سيحصل المشجع القادم من إفريقيا أو آسيا أو العالم العربي على التأشيرات اللازمة؟

هل تكفي تأشيرة واحدة؟

الإجابة ببساطة: لا.

قد يجد المشجع نفسه مطالبًا بالحصول على تأشيرة أمريكية، وأخرى كندية، مع الالتزام بشروط دخول المكسيك. وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية، ليس نحو المدرجات، بل نحو السفارات والقنصليات وصفوف الانتظار الطويلة.

الفيزا الأمريكية… المباراة الأصعب

ربما تكون أصعب مباراة في كأس العالم 2026 ليست نهائي البطولة، بل المقابلة الشخصية للحصول على التأشيرة الأمريكية.

هناك دول تصل فيها مواعيد المقابلات إلى شهور طويلة. ملايين المشجعين قد يجدون أنفسهم أمام معضلة حقيقية: لقد اشتروا التذاكر، وحجزوا الفنادق والطيران، لكنهم لا يملكون إذن الدخول.

أي عبث هذا؟

كيف يُعقل أن تفتح كرة القدم أبواب العالم ثم تغلقها البيروقراطية؟

وهل تتحول متابعة منتخبك الوطني إلى امتياز جغرافي لا يتمتع به إلا أبناء الدول الغنية أو الحاصلة على إعفاءات تأشيرية؟

كرة القدم للأثرياء فقط

لطالما تغنت المؤسسات الرياضية بشعار: “كرة القدم للجميع”.

لكن الواقع يقول شيئًا آخر.

تكاليف السفر بين ثلاث دول.

أسعار الفنادق.

تكلفة الطيران الداخلي.

رسوم التأشيرات.

التأمين الصحي.

المصاريف الطارئة.

كل ذلك يجعل حضور البطولة حلمًا بعيد المنال بالنسبة لملايين المشجعين.

لم يعد العامل البسيط في القاهرة أو الدار البيضاء أو بغداد أو داكار قادرًا على التفكير جديًا في حضور المونديال، حتى لو باع مدخراته الصغيرة.

لقد أصبحت كرة القدم، تدريجيًا، حفلة خاصة للنخبة القادرة على الدفع.

الجدار الذي لا يختفي

المفارقة الساخرة أن البطولة ستقام جزئيًا في الولايات المتحدة، الدولة التي شهدت خلال السنوات الأخيرة جدلًا واسعًا حول الهجرة والحدود والجدران وسياسات التشدد.

كيف يمكن الاحتفاء بوحدة العالم عبر كرة القدم، بينما يعيش ملايين البشر تحت هاجس الرفض والمنع والاشتباه؟

كيف يشعر المشجع القادم من دولة نامية وهو يُعامل باعتباره مشروع مهاجر غير شرعي محتمل، لا مجرد عاشق للعبة؟

إن الرياضة التي يفترض أن تهدم الجدران، تجد نفسها محاصرة بالجدران نفسها.

ستة وأربعون منتخبًا… فوضى مقننة

توسيع البطولة إلى ثمانية وأربعين منتخبًا قُدم باعتباره انتصارًا للعدالة وإتاحة الفرصة للجميع.

لكن ثمة وجهًا آخر للقصة.

عدد أكبر من المباريات.

إرهاق أكبر للاعبين.

فترة أطول للبطولة.

ضغوط تنظيمية هائلة.

صعوبة في الحفاظ على المستوى الفني.

كأن المؤسسة الكروية قررت أن الحل لكل شيء هو المزيد: المزيد من المنتخبات، المزيد من التذاكر، المزيد من الرعاة، المزيد من الأرباح.

أما السؤال عن جودة التجربة نفسها، فيبدو أقل أهمية.

المشجع… الحلقة الأضعف

في نهاية المطاف، يظل المشجع هو الطرف الأكثر معاناة.

هو الذي يدفع ثمن التذكرة.

وثمن الفندق.

وثمن الطائرة.

وثمن التأشيرة.

وثمن الانتظار.

ثم يُطلب منه أن يبتسم أمام الكاميرات ويهتف باسم “أعظم بطولة في التاريخ”.

لكن أي عظمة تلك التي تجعل حضور مباراة كرة قدم رحلة شاقة تشبه معاملة حكومية معقدة؟

بين اللعبة والسوق

ربما لم تعد المشكلة في كأس العالم وحده، بل في الفلسفة التي تحكم الرياضة الحديثة.

كل شيء أصبح قابلًا للبيع.

القمصان.

الحقوق التلفزيونية.

الملاعب.

الأحلام.

حتى المشجع نفسه لم يعد عاشقًا للعبة، بل صار رقمًا في تقارير الأرباح.

لم يعد السؤال: كيف نجعل البطولة أكثر إنسانية؟

بل أصبح: كيف نجعلها أكثر ربحًا؟

هل فقد المونديال روحه؟

رغم كل ذلك، ستظل كرة القدم قادرة على خلق لحظات سحرية.

سيبكي جمهور مع هدف في الدقيقة الأخيرة.

وسيرقص شعب بأكمله بعد انتصار تاريخي.

وسيتحول لاعب مجهول إلى أسطورة بين ليلة وضحاها.

لكن خلف هذا السحر، يحق لنا أن نسأل:

هل ما زال كأس العالم احتفالًا بالشعوب؟

أم أصبح معرضًا ضخمًا ترعاه الشركات العملاقة، يدخل إليه من يملك المال وجواز السفر المناسب فقط؟

لقد كان المونديال يومًا عيدًا للفقراء قبل الأغنياء، ومناسبة يشعر فيها ابن القرية النائية بأنه جزء من العالم الكبير.

أما اليوم، فيبدو أن العالم الكبير يضيق شيئًا فشيئًا، وأن كرة القدم التي وُلدت في الأزقة الشعبية ترتدي الآن بدلة رسمية، وتحمل ملف تأشيرات، وتسأل المشجع البسيط قبل أن تسمح له بالدخول:

من أنت؟ وكم تملك؟ وما لون جواز سفرك؟

وحين تصل كرة القدم إلى هذه اللحظة، يصبح من حقنا أن نخشى عليها؛ لا لأنها فقدت جمهورها، بل لأنها قد تفقد روحها التي جعلت منها اللعبة الأجمل في العالم.

https://www.facebook.com/afrizk1/

اترك تعليقاً

اخر المقالات

أخبار مصر
أخبار مصر
أخبار عالمية
أخبار عالمية
أخبار عالمية
مقالات واراء

منطقة المحررين