كأس العالم 2026 بين عنصرية ترامب البغيضة وخنوع جياني إنفانتينو

كأس العالم 2026

كأس العالم 2026 بين عنصرية ترامب البغيضة وخنوع جياني إنفانتينو

منذ أن عرف البشر الرياضة وهم يحلمون بأن تكون ملعبًا للإنسانية لا للحروب، وجسرًا بين الشعوب لا سورًا للعزل والكراهية. لكن يبدو أن هذا الحلم الجميل يتحطم كلما اقترب من أصحاب السلطة والنفوذ، أولئك الذين يستطيعون تحويل حتى كرة القدم إلى أداة للدعاية السياسية والاستعراض الشخصي.

ولعل كأس العالم القادم يمثل نموذجًا صارخًا لهذه المأساة الحديثة؛ فبينما يفترض أن يكون الحدث احتفالًا عالميًا يجمع البشر على اختلاف أعراقهم وأديانهم وألوانهم، يطل علينا دونالد ترامب بخطابه العنصري القديم المتجدد، فيما يقف جياني إنفانتينو، رئيس الفيفا، في هيئة التابع المطيع الذي نسي أن الرياضة وُجدت لتحرر الإنسان لا لتخضعه.

لقد بنى ترامب مجده السياسي على صناعة الأعداء. ففي كل مرحلة احتاج فيها إلى رفع شعبيته، كان يبحث عن فئة يحمّلها مسؤولية أزمات المجتمع الأمريكي. مرة المهاجرون، ومرة المسلمون، ومرة المكسيكيون، ومرة القادمون من دول يصفها بأوصاف مهينة لا تليق حتى بأحاديث المقاهي الرخيصة.

الرجل الذي وعد ببناء الجدران أكثر مما وعد ببناء المدارس، والذي رأى في البشر ملفات أمنية قبل أن يراهم كائنات إنسانية، يجد نفسه اليوم مضيفًا لأكبر مهرجان كروي في العالم. يا للمفارقة الساخرة!

كيف يمكن لحدث يقوم على فكرة انفتاح الحدود الرياضية أن يُقام تحت ظلال خطاب يقدس الأسوار ويخاف من الغرباء؟

كيف يمكن لمشجع إفريقي أو عربي أو لاتيني أن يشعر بأن البطولة تخصه بينما يسمع بين الحين والآخر تصريحات تشكك في حق أمثاله بالوجود الكريم؟

إن المشكلة لا تكمن فقط في تصريحات ترامب، بل في أنها تعبر عن رؤية للعالم ترى البشر درجات وسلالم، لا شركاء متساوين في الإنسانية. رؤية تجعل اللون والجنسية والعرق عوامل تفاضل، وكأن البشرية ما زالت تعيش في القرن التاسع عشر.

لكن المأساة لا تكتمل إلا بوجود من يصفق لها أو يصمت عنها.

وهنا يدخل جياني إنفانتينو إلى المسرح.

فالرجل الذي يفترض أنه حارس القيم الرياضية العالمية تحول شيئًا فشيئًا إلى موظف علاقات عامة لدى أصحاب النفوذ. أين ذهبت الشعارات الرنانة عن مكافحة العنصرية؟ أين اختفت الخطب الطويلة عن المساواة والعدالة؟

لقد اعتادت الفيفا أن تهدد الاتحادات الصغيرة بالعقوبات إذا رفعت لافتة سياسية أو خالفت تعليماتها التنظيمية، لكنها تتحول فجأة إلى حمل وديع عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى.

إنفانتينو الذي يجوب العالم مبتسمًا أمام الكاميرات يبدو كمن اكتشف معادلة سحرية للنجاح: لا تعارض الأقوياء أبدًا، وامنحهم ما يريدون، ثم تحدث بعد ذلك عن الأخلاق في المؤتمرات الصحفية.

وهكذا أصبحت الفيفا أشبه بمسرح كبير يؤدي فيه الجميع أدوارهم بحرفية مدهشة. السياسي يبتسم أمام الكاميرا وهو يفكر في الانتخابات. ورجل الأعمال يبتسم وهو يفكر في الأرباح. أما المسؤول الرياضي فيبتسم لأنه لا يريد أن يغضب أحدًا.

وحده المشجع البسيط يصدق أن ما يراه احتفال رياضي بريء.

إنفانتينو يقدم نفسه باعتباره رجل سلام عالمي، لكن السلام الذي لا يجرؤ على مواجهة الظلم ليس سلامًا، بل استسلام مهذب. والحياد الذي يصمت أمام العنصرية ليس حيادًا، بل تواطؤ متنكر في ثياب الدبلوماسية.

لقد تحولت كرة القدم خلال العقود الأخيرة إلى إمبراطورية مالية ضخمة. وأصبحت القرارات تُتخذ أحيانًا وفق حسابات الأرباح والعقود والرعاة أكثر مما تُتخذ وفق المبادئ المعلنة.

ولذلك لم يعد مستغربًا أن نرى كثيرًا من الشعارات الأخلاقية تذوب فور اصطدامها بالمصالح الاقتصادية.

فالمال، كما يبدو، قادر على إسكات كثير من الخطب.

ومن الطريف المبكي أن الفيفا ترفع شعار «لا للعنصرية» في كل مباراة تقريبًا. تظهر العبارة على الشاشات العملاقة، وعلى قمصان اللاعبين، وفي الحملات الدعائية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: ماذا تفعل هذه الشعارات عندما تصطدم بالسلطة الحقيقية؟

هل تتحول إلى قوة أخلاقية مؤثرة؟

أم تصبح مجرد ديكور جميل مثل الزهور البلاستيكية الموضوعة فوق طاولة متهالكة؟

إن التاريخ يعلمنا أن المؤسسات لا تُقاس بما تقوله، بل بما تفعله عندما يكون الثمن مرتفعًا.

وحين ننظر إلى المشهد الحالي نجد أن الثمن المرتفع غالبًا ما يؤدي إلى اختفاء المبادئ من المشهد تمامًا.

في عالم مثالي كان يفترض أن تكون الفيفا أول من يدافع عن كرامة جميع الشعوب دون تمييز، وأول من يرفض أي خطاب يحرض على الكراهية أو يحتقر البشر بسبب أصولهم.

لكننا لا نعيش في عالم مثالي.

نحن نعيش في عصر يستطيع فيه السياسي أن يبيع الخوف، ورجل الأعمال أن يبيع الوهم، والمسؤول الرياضي أن يبيع الشعارات نفسها التي يتحدث عنها.

وهكذا يتحول كأس العالم، الذي كان يومًا حلمًا إنسانيًا جميلًا، إلى مرآة تكشف تناقضات عصرنا. عصر يتحدث عن المساواة فيما يمارس التمييز، ويرفع رايات الأخلاق بينما يساوم عليها في الغرف المغلقة.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أن الجماهير هي دائمًا الطرف الأكثر إخلاصًا في هذه المعادلة المختلة. الملايين الذين يسافرون ويشجعون ويغنون ويحلمون لا يفكرون في الحسابات الأخري

https://www.facebook.com/afrizk1/

 

 

اترك تعليقاً

اخر المقالات

أخبار مصر
أخبار مصر
أخبار عالمية
أخبار عالمية
أخبار عالمية
مقالات واراء

منطقة المحررين