د.صلاح عبادة

ثقافة التغيير والمحاسبة

ثقافة التغير
ثقافة التغير

د. صلاح عبادة
من المظاهر الجلية لحيوية أي نظام سياسي وتجدد شبابه؛ سرعةُ استجابته لدواعي التغيير، ومبادرته إلى محاسبة المسئولين المقصرين؛ لإذابة جلطات السخط والغضب الجماهيري، التي قد تعوق تدفق الدماء في شرايين بنيته الاجتماعية والسياسية.
تحقق أحد هذه المظاهر الحيوية عمليا، في تصوري؛ مع وزير العدل السابق المستشار محفوظ صابر،عقب تصريحاته المستفزة عن أبناء عمال النظافة وعدم صلاحيتهم – من وجهة نظره – لتقلُد المناصب القضائية بدعوى “حساسيتها”، وحرصا منه – بزعمه – على نفسيات أبناء الزبالين عندما يجدون أنفسهم في مجتمعات وأوساط “هاي كلاس” لم يُهيّئوا لمقاربتها ناهيك عن الانخراط فيها والالتحام بها؛ وهو ما قد يصيبهم – حسب تبريراته – بالإحباط والاكتئاب وربما الحقد والضغينة على أبناء السادة الأسياد!!
وبداية نتساءل : كيف تصدر مثل هذه التصريحات من رجل يتسنّم ذروة منظومة العدل والقضاء في مصر،وهي تصطدم – بداهة – مع نصوص الدستور الذي ينص في المادة (14) على أن ” الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة، وتكليف للقائمين بها لخدمة الشعب، وتكفل الدولة حقوقهم وحمايتهم، ………” وتصطدم – كذلك – مع المادة (53) من باب الحقوق والحريات والواجبات العامة، والتي تنص على أن : ” المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو الأصل، أو العرق، أو اللون، أو اللغة، أو الإعاقة، أو المستوى الاجتماعي، أو الانتماء السياسي أو الجغرافي، أو لأي سبب آخر.
التمييز والحضّ على الكراهية جريمة يعاقب عليها القانون.
تلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للقضاء على كافة أشكال التمييز، وينظم القانون إنشاء مفوضية مستقلة لهذا الغرض. “
ولهذا أثارت تصريحات وزير “اللاعدل” السابق، عاصفة من النقد والسخط والسخرية وردود الفعل الغاضبة على شبكات التواصل الاجتماعي وفي الشارعين السياسي والاجتماعي؛ لمجانبتها الكياسة السياسية واللباقة الاجتماعية.ومن ثم فقد أحسنت الدولة – حكومة ورئاسة – عندما استجابت سريعا لنبض الشارع والجماهير وعزلت المستشار محفوظ صابر من منصبه الجليل، وهي بادرة شابة ومحمودة، نرجو أن تكون عنوانا واستراتيجية وفلسفة لعهد جديد من عمر الدولة المصرية .
إن تأخر رد الفعل والعناد والجمود والتكلس – تحت راية “الاستقرار” – هو ما أودى بنظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، الذي كان يصمّ أذنيه ولا يبادر إلى إحداث أي تغيير مهما بلغت درجة الغليان والاحتقان السياسي والاجتماعي، ويكفي أن نذكر له هنا عبارته التي جسّدت سياسته وفلسفة حكمه وهي : ” خلّيهم يتسلوا ” تعليقا على تحرك البرلمانيين الذين أُسقطوا – عمدا – في الانتخابات البرلمانية المزورة في 2010، وحاولوا إنشاء “برلمان موازي”.
هو نفس الجمود والتكلس المبكر والتصلب الذي أصاب شرايين نظام جماعة الاخوان المسلمين وحكمهم،ولا غرو في ذلك فالإخوان هم الوجه الآخر لمبارك ونظام حكمه وحزبه الوطني “جدا”. فقد صمّوا – هم أيضا – آذانهم ولم يبدوا أي استجابة للسخط الشعبي الرافض لأسلوب حكمهم المزدوج الذي يقوده رئيس “صوري” يحركه مكتب الإرشاد القابع في المقطم بخيوط مثل عرائس “الماريونيت”.ويكفي أن نتذكر لحكم الإخوان الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس السابق الدكتور محمد مرسي في 22 نوفمبر 2012، دون أن يستشير حتى مستشاريه القانونيين.وهو إعلان دستوري عجيب جعل من الرئيس نصف إله، فلا معقب لحكمه، ولا رادّ لقضائه، بعد أن حصّن قراراته من الطعن القضائيّ عليها، وأعاد البرلمان الذي حُلّ بموجب حكم من المحكمة الدستورية العليا ،وهو تعد صارخ على سيادة القانون، وتدشين مبكر – ودون مقومات – للديكتاتورية والاستبداد وحكم الفرد المطلق.
لا نريد أن يكون سلوك التغيير والمحاسبة الذي تم مع المستشار محفوظ صابر،مجرد موقف عابر، بل ينبغي أن يتحول إلى ثقافة، تغيّر الواقع القبيح، لا تخشى المجهول، ولا تهاب التغيير، ولا تقدس الأشخاص، وأن يكون شعارها المستقبلي: ” في الإمكان – دائما – أبدع وأجمل وأزهى مما كان”

رأيك يهمنا

عن خلف الله عطالله الانصاري

Avatar

شاهد أيضاً

كتبت فيك

رأيك يهمنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *