
من سير البلهاء عن قصص الحمقى والأغبياء
حكاية الوزير الذي اكتشف أن الحقيقة عدو الدولة
يُروى أن سلطانًا من سلاطين هذا العصر ابتُلي بوزيرٍ شديد الذكاء…
لكن ذكاءه كان موجهًا دائمًا في الاتجاه الخطأ.
وكانت البلاد يومئذ تمر بأيامٍ عصيبة؛
الأسواق مضطربة،
والناس قلقون،
والمدن التي كانت عامرة بالحياة صارت تتنفس بصعوبة.
فاستدعى السلطان وزيره وقال له:
“يا رجل، إن الناس يشكون كثيرًا هذه الأيام.
يقولون إن الأمور تسير من سيئ إلى أسوأ.”
فابتسم الوزير ابتسامة الواثقين وقال:
“يا مولاي، المشكلة ليست في الواقع…
المشكلة في الحقيقة.”
تعجب السلطان وقال:
“وكيف تكون الحقيقة مشكلة؟”
فقال الوزير وهو يصلح عمامته كأنه يشرح مسألة علمية عظيمة:
“يا مولاي، الحقيقة شيء خطير جدًا.
فإذا عرفها الناس أكثر مما ينبغي، بدأوا يطرحون الأسئلة.
وإذا طرحوا الأسئلة، صارت الإجابات صعبة.
وإذا صارت الإجابات صعبة…
تعبت الدولة.”
فأعجب السلطان بهذه الحكمة الجديدة وقال:
“إذن ماذا نصنع؟”
فقال الوزير في هدوء الحكماء:
“بسيط يا مولاي…
نغيّر الرواية.”
ومنذ ذلك اليوم صار لكل كارثة في البلاد تفسيرٌ رسمي جميل.
فإذا انهار جسر قيل:
“إنه مشروع لإعادة البناء على أسس أكثر تطورًا.”
وإذا ارتفعت الأسعار قيل:
“إنها علامة على قوة الاقتصاد.”
وإذا ضاقت حياة الناس قيل لهم في نشرات الأخبار:
“الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.”
وكان أعجب ما في الأمر أن الوزير لم يكن يكذب دائمًا،
بل كان يفعل شيئًا أكثر مهارة.
كان يستبدل الكلمات.
فالدمار لا يُسمى دمارًا…
بل “تحديًا”.
والفشل لا يُسمى فشلًا…
بل “مرحلة انتقالية”.
أما المعاناة فكانت تُسمى دائمًا:
“تضحيات ضرورية.”
وذات يوم وقف رجل بسيط في السوق وقال ساخرًا:
“غريب أمر هذه الدولة…
كلما ازدادت المصائب، ازدادت الكلمات جمالًا.”
فلما بلغ كلامه الوزير غضب غضبًا شديدًا وقال للحرس:
“هذا الرجل خطير.”
قالوا:
“ولماذا يا سيدي؟”
فقال الوزير بجدية:
“لأنه يقول الحقيقة.”
وعندئذٍ جمع السلطان مجلسه وسألهم:
“ما أخطر ما يهدد الدولة؟”
فتكلم القادة عن الأعداء،
وتكلم التجار عن الفقر،
وتكلم الجند عن الحروب.
أما الوزير فهز رأسه وقال:
“كل هذا يمكن احتماله يا مولاي…
إلا الحقيقة.”
فسأله السلطان:
“ولماذا؟”
فقال الوزير في هدوء العارفين بأسرار الحكم:
“لأن الحقيقة – إذا انتشرت بين الناس –
تجعلهم يرون الأشياء كما هي.”
ويُقال إن أحد الحكماء الذين شهدوا ذلك المجلس كتب في دفتره:
“إن الدول التي تخاف من الحقيقة،
تشبه الرجل الذي يكسر المرآة
لأنه لم يعجبه وجهه.”
ثم أغلق دفتره وقال:
“لكن المرآة – مهما كُسرت –
لا تغيّر الحقيقة.”
من سير البلهاء عن قصص الحمقى والأغبياء 2 حكاية الوزير الذي اكتشف أن الحقيقة عدو الدولة
https://www.facebook.com/afrizk1/





