قيام دولة المعلمين
المعلم ، وما أدراك ما المعلم ؟
بركان يغلي بين جدران المدارس الصاخبة ، لا صوت له غير النحيب المكتوم بين جدران نفسه ونفسه ، لقد أصبح “المعلم” مجرد مالئ للأوراق – التي لا قيمة لها – لأن “الطالب” المميز عصفور معروف لجميع “المعلمين” لتفوقه ، وكذلك “الطالبة” المميزة حمامة معروفة بنشيدها لجميع “المدرسين” لتفوقها ؛ فلا حاجة له لكل هذا العناء من “التقييمات” التي لا طائل من ورائها غير كسر ظهر المعلمين كأنهم من البهائم يدورون في ساقية.
وباقي “الطلاب” مستواهم بين “جيد” و”مقبول” و”ضعيف” نتيجة “الفروق الفردية” الفطرية بينهم ، هذا من البديهيات ، والمسلمات بعيدا عن غثاء “التقييمات” المرضية المزمنة التي أرهقت أعينهم ، وأضعفت أبصارهم.

وعن الدفاتر المدرسية – التي يحملها “المدرس” معه في الذهاب والعودة – مملة ، ثقيلة على القلب ، لا فائدة منها ؛ لأن “المعلم” البارع يقوم بملئها بمجرد النظر لجميع “الطلاب” دون الحاجة إلى لفة “التقييمات” السخيفة ، ودورانها المميت ؛ لماذا ؟
لاحتكاكه اليومي بالطلبة ؛ لأنه يعرف مستوى جميع الفراشات المضيئة – في فصله – ومستوى جميع العصافير العازفة – داخل حجرة الدرس – والصامتة – عن الشدو – والتي تغيب عن أشجار غرفة الدراسة لظروف طارئة ، أو خاصة.

أصبح “المعلم” مثل “الإداري” أو مثل “المحاسب” في “البنك” أو مثل “عامل” في مكتب “الصرافة” لكثرة تدوين الأرقام اليومية التي يقوم بكتابتها ، ولا ينال راتبا كالذين يعملون في هذه “البنوك” ولا كالذين يعملون في هذه “الصرافة” صار لا علاقة له بما درسه في “الجامعة” وبما يقوم بتدريسه لتلاميذه.

أضحى المعلم “كالآلة الحاسبة” أو “الكومبيوتر” يأكل الأرقام إجباريا ، يشربها قهرا ، شهيقه وضع الأرقام ، زفيره وضع الأرقام ، يمشي وهو يضع الأرقام ، يجلس وهو يضع الأرقام ، ينام وهو يضع الأرقام ، ينعس وهو يحلم بوضع الأرقام ، راتبه أبعد ما يكون عن الأرقام ، لقد أصابه العما من كثرة وضع الأرقام في عامين اثنين يا سيادة أصحاب الأرقام العالية.

في البيت يضع درجات “التقييمات الأسبوعية” لأن الوقت لا يكفي ، في “الفصل” يضع درجات “التقييمات الأسبوعية” لأن الوقت لا يكفي ، ولا يوجد وقت للشرح ، في حصة “الاحتياطي” يصحح “كراسات الحصة” يوميا ، ولا يوجد وقت ليعد درسا ، ويشرحه ؛ لأن وضع “التقييمات” أكثر أهمية لدى “للوزارة” من شرح الدرس الذي ستأتي فيه “التقييمات” إنها عملية مقلوبة ، معكوسة ، الأولى ضد الثانية.
والمنطق يقول:
إن الشرح يؤدي إلى التقييم الشهري ، أو “الاختبار الشهري” ليقف كل طالب ، وطالبة على مستواه الحقيقي دون اللجوء إلى أي أسلوب من أساليب الغش القديمة ، أو الحديثة.

ولا يستريح “المدرس” في “الحصة الخالية” ولا يأخذ فاصلا لجرعة ماء يبل ريقه – الناشف كالحجر – من العيال الشياطين ، ولا من عفاريت “الوزارة” الذين لا شغلة لهم إلا بالتضييق على “المعلم” المصلوب بين جدران الفصول الصقيع ، وخنقه بالعمل “الإداري” الوبيل ، بداية من تسجيله للغياب اليومي – لأنه من المفروض أن يقوم به عامل خاص – وانتهاء بإسناد أعمال أخرى له ، مع أن منشورات “الوزارة” نفسها تمنع ذلك ، وترفضه رفضا قاطعا.

ومع ذلك نرى “المعلم” المطحون يقوم باستكمال رحلة العذاب مع “التقييمات” بوضع درجات “الأداء المنزلي” يوميا ، ولا وقت لكوب “شاي” من عند استراحة مولانا “الأخفش” أو “فنجان بن” من عند كافيه “الكسائي” أو “ساندوتش طعمية” من عند سيدنا “سيبويه” أو كعكعة من فندق عمنا “الخليل بن أحمد” أو “رغيف مش” من عند “المبرد” أو طبق “فول بالزيت الحار ” من مطعم “ابن عصفور”.

في أيام “الإجازات الرسمية” يضع “المعلم” الكئيب درجات “الأداء الصفي” يوميا ؛ فلا وقت للخروح مع الأولاد كسحابة تظللهم ، أو الجلوس معهم كغيمة دافئة ، كذلك يضع أيام “السبت” من كل أسبوع “درجات التقييمات” حتى وهو ذاهب إلى “المقهى” يحمل دفتر الدرجات ليضع “درجات السلوك” بعيدا عن ضجيج البيت ، والجيران ، مفضلا ركنا هادئا في آخر “المقهى” الحزين الذي كان يسعده ، صار مقعد “المقهى” حزينا من أجله ، أصبح كوب “الشاي” أكثر حزنا لكآبة “المعلم” غدت “الطاولة” دامعة عليه كأنه يحتضر ، أو مات بالفعل ، وأن الذي يوجد في الفصول الآن قرينه من العالم الآخر.

أصبح “الأستاذ” آلة لوضع الدرجات ، والأرقام اليومية ، يدور في طاحونة الأرقام اليومية ، صار الطلاب – أيضا – آلات مضغوطة بين “واجبات منزلية” مكررة ، تحرمهم من اللعب الحر، تعوقهم من التنفس العادي ، تمنعهم من الراحة الطبيعية التي هي حق من حقوقهم ، إنهم يصابون بالعما مبكرا مثل معلميهم ، وقتل طفولتهم مبكرا ، ودفن صباهم مبكرا ، ووأد شبابهم مبكرا
ولا عزاء لنظام تعليمي عقيم يأخذ بزينة الشكل أكثر من إيمانه بجودة المضمون ، وإتقانه ، وتعميمه.
يبدو أن كثرة المستشارين في “الوزارة” وكثرة حاملي شهادات “الدكتوراه” وكثرة التنظير قد ضربت العملية التعلمية في مقتل.

ولكي يضع “المعلم” درجات طالب واحد في مادة واحدة مثل “اللغة العربية” عليه أن يمر بهذه الخطوات العنكبوتية ، الملتوية ، المعقدة التي تشبه الأنفاق التي تستنزف طاقته ؛ لأن الذين وضعوا “التقييمات” وضعوها بطريقة سيئة ، مطولة تدل على أنهم لا علاقة لهم “بالرياضيات” مثلي.
وهذه الطريقة تشبه المتاهات التي كنا نقوم بالخروج منها عندما كنا نشتري هذه “المجلات” التي كانت تنشرها من باب التسلية ، لنقتل وقت الفراغ ، وهنا لا يوجد فراغ بين أسوار المدارس المشتعلة بنيران المشاكل من كل شكل غريب علينا ، ونوع مريب تسلل إلى أبنائنا ؛ نتيجة تأثير السماوات المفتوحة دون منعها ، أو الحد منها ، أو رقيب يقص كل هذا السواد الذي يدمر القيم النبيلة ، والمبادئ العليا ، والأصول الثابتة.

وأنت لكي تضع درجة واحدة لطالب واحد داخل الفصل لمادة واحدة ؛ فعليك بهذه الخطوات التالية المرهقة:
1- جمع (12 تقييما) له ، بعدد (12 أسبوعا) ثم تقسمه على (العدد 12) ثم تضربه في (العدد .

والناتج يكون درجة الطالب الواحد في داخل الفصل الواحد.
2- ثم تنتقل إلى نفس الطالب الواحد في داخل الفصل الواحد ؛ لتضع درجات الواجب المنزلي له بجمع (12 واجبا منزليا) بعدد (12 أسبوعا) ثم تقسمه على (12) ثم تضربه في( .

وتكتب الناتج.
3- ثم تقوم – لنفس الطالب – بجمع (12 سلوكا) له ، بعدد (12 أسبوعا) ثم تقسمه على (12) ثم تضربه في (.

.
4- ثم تقوم بجمع “درجات الشهرين” لنفس الطالب ، وتضرب الناتج في العدد (.

.
5- ثم تكرر هذه الخطوات الأربع بنفس الطريقة بالضبط لنفس الطالب الواحد في مادة “التربية الدينية الإسلامية” ولكن تضرب في العدد (.4).

كل هذه الخطوات السابقة لكي تضع درجات طالب واحد في مادة واحدة !!!
ما هذا الهراء التعليمي في طريقة حساب درجات الطالب الواحد ؟!
ما هذا العبث في التعسف في طريقة الحساب لوضع درجة طالب واحد ؟!
ما هذا التشدد في وضع نظام الدرجات ؟!
ما هذا التخلف الحسابي في اتباع هذا الأسلوب البدائي ؟!
يبدو أن الذين يجلسون في المكاتب لا علاقة لهم “بوزارة التربية ، والتعليم” وأنهم آتون من كوكب آخر ؛ لا يعرفون غير طريقة واحدة مقرفة في حساب درجات الطالب الواحد ؛ لأن أداءهم أداء أناس معهم شهادة “محو الأمية” وربما لا يحملونها ، إذا كانت هذه الطريقة من دماغهم ، ومن إبداعهم الخاص.

والمصيبة السوداء أنهم يسلمونك “دفاتر” وضع الدرجات – التي تدفع ثمنها – بها “خمس” خانات لتجمع “التقييم” مع “الواجب المنزلي” مع “السلوك” كل أسبوع ، ثم يقولون لك :
لا نريد هذا المجموع ، ولا نحتاج تلك الخانات ، ولا نحتاج هذا المجموع في شيء ، وأنا – المعلم – لا أحتاجه في شيء ، وكذلك “الكنترول” لا يحتاجه في شيء.
إذا لماذا نقوم بجمعه ؟
يقولون:
نحتاج مجموع (12 تقييما) مع (12 واجبا منزليا) مع (12 سلوكا) مضروبين في العدد (.8 تارة) و(تارة .4) مع جمع (الشهرين) وضروب الناتج – أيضا – في العدد (.

.
وحين يقوم المعلم “الكفران ، الطفشان ، القرفان” بتنفيذ هذه الطريقة يدخل في المتاهة السابق ذكرها ، ولا يخرج منها إلا أعمى تقوده عصا العصيان ، والسب ، وأقذر اللعنات.

ثم في امتحانات نصف العام ، ونهايته ، يلف لفة أخرى مختلفة ؛ ليحسب درجات كل طالب على حدة ؛ ليظهر درجته الكلية في كل مادة ، ومن اللف ، والدوران ، ووضع طرق ملتوية ، تصبح العملية التعليمية مكروهة من:
المعلم ، ومن الطالب ، ومن أولياء الأمور ، وهذا أمر طبيعي لنظام لا يمكن تطبيقه بهذه الطرق المختلة ، الملتوية في نظام حساب مجموع الدرجات الخاصة بالطلاب.

أما عن “المنهج” المرقع ترقيعا ، وشرح “المنهج” المسطح تسطيحا فجا ، وأبعاد “المنهج” الساذجة ، وفلسفة “المنهج” القاصرة ؛ فكل ذلك في ستين داهية ، نظام دراسي سيء ، ومن سيء لأسوأ ، ومن طين إلى طين ، ومن زفت إلى زفت ، ومن هباب إلى هباب ، ومن خراب إلى خراب ، ومن خرا إلى خرااا ، ومن سواد إلى سواد.

والحل ؟
تكفي نتيجة اختبار “الشهرين” لتمييز الطلاب ، ومعرفة كل مستوى على حدة من خلال هذين الاختبارين اللذين يشملان مقرر “الشهرين” كاملين بشكل علمي دقيق تحوي جميع مواصفات الأسئلة الخاصة بكل مادة.

في النهاية السوداء التي تقودك إلى راتب “المعلم” ترى راتبه مقيدا في وتد “الحكومة” على الأساسي من عام: 2014م ، ثم تحمله “الحكومة” ما لا يطيق ، وليته بعد “سن التقاعد” يستطيع أن يلبي حاجته من :
المأكل البسيط العادي ، والمشرب البسيط العادي ، والمسكن البسيط العادي ، والدواء البسيط العادي الذي يمشي عليه مجبرا ، ومن يدخل مستشفى “التأمين” يخرج على خشبة التأبين محمولا إلى قبره الذي ينتظره قبل أن يولد.

وتزداد “التراجيديا” سوادا على سواد حين توقن أن “نقابة المعلمين” ميتة في أعين جميع “المعلمين” مكفنة منذ نشأتها ، تم قبرها بغضا ، وقرئت الفاتحة عليها – منذ سنين سوداء – والمعلمون لم يأخذوا عزاءها ؛ لكراهيتهم لها ؛ لأنها تعطيهم معاشا يخجل المستجدي ، أو الشحاذ أن يمد يده ، ويأخذه من المارة في الشارع ، أو من أصحاب الدكاكين كل شهر كالمتسولين ، وحاملي البخور الذين يطوفون يوميا على أصحاب المحلات.
هل أقول لمسئولي النقابة :
ساووهم فقط بمعاش الراقصات ؟
أم أقول : ساووهم فقط بمعاش المطبلين ؟
لن أقول ذلك ؛ لأن “نقابة المعلمين” الشريفة نقابة غير شريفة ، في زمن غير شريف ، في أرض تطرد الشرف ، وتعطي ظهرها للشرفاء والطاهرين.

لن أتحدث عن أي مؤسسات أخرى في داخل الدولة ؛ لأن دولة “المعلمين” يجب أن تقوم ؛ يجب أن تكون ، يجب أن نرفع عرشها ؛ لأنها بلا حماية كغيرها ، بلا رعاية تحترم إنسانيتها المتعبة ، وآدميتها المنتهية ، مهانة في أعين الطلاب العدوانيين ، ومحتقرة من أهلهم الذين لا يطاقون.

إذا لم تقم “مملكة المعلمين” فلن تروا نشأ عظيما ، ولا تربية صحيحة ، ولا تعليما عالميا ، ولا علما رفيعا ، ولا علماء ، ولا إبداعا ، ولا مبدعين ، والسلام على الذين لا يكتبون ، ولا يقرأون ، ولا يسمعون ، والسلام – أيضا – على الذي يكتبون ولا يعلمون ، ويقرأون ولا يفهمون ، ويسمعون ، ولا يعملون بما يسمعون.