أخبار عاجلةأخبار مصرأهم الاخباراسليدرالأدب و الأدباءمقالات واراء

عانس مع سبق الأصرار (1) قصة قصيرة _ جيهان حكيم


كعادتي عند اقتراب لحظة الغروب

أجلس خلف نافذتي متأملة سماء تنشر زرقتها
وعطر ياسمين في الأفق يرشقني بنسائمه
وزقزقة عصافير تحط رحالها على الأشجار غادرت أعشاشها المرصوصة على جنبات الرصيف
تناديني
فأتحول الي فراشة ملونة تطير وتتنقل بين الأزهار
وريشة الخيال التي ترسم طفولتي كيفما شاء

حينَما كنت صغيرة
كنت أميرة تسكن قصر من الفضاء الرحب
قصر فرشته بالقطن ، غلّفته بالحرير، عطرته بمسك
كنت كشدو البلابل حيثما غرد يزهو الربيع
كنت أحيا خارج حدود الزمان ، بعيداً عن قيود المكان
التقي البحار والأنهار
حملني زورق صغير إلى جزيرة تضللها أشجار وارفة
على ارضها نصبت خيام أحلامي
وأنا صغيرة بعد
كنت أحب كل شيء جميل في هذا الكون إلي أن قصوا جدائلي
وتاهت بوصلتي وسقط صباي مثل أوراق الأشجار في فصل الخريف

——-

شرفة جارنا تطل على شرفتنا
عند بابي وقف
تلقفني بابتسامة مفخخة
ظل يترقب الوقت لبدء المغامرة
دائماً ما كان يقلب عينيه بين الشارع ونافذتي طوال اليوم
وكلما خرجت للنافذة يوزع سهام نظراته نحوي
حتي اختلطت نظراته بنظراتي لثواني
حينئذ أبتسم ابتسامة ملاطفة
وهكذا تسلل الي عالمي وأستوطن مكان أمن لأوهامي الصغيرة !

وأنا في طريقي إلى المدرسة ذهاباً وإياباً كان يتبعني كظلي
كان يتجاوز بنظره جميع زميلاتي ، ويرسل لي إشارات بعينيه
تؤكد أعجابه بي بين الحين والحين
حتي زميلاتي في المدرسة كل واحدة منهن أبدت نفس الملاحظات التي شعرت بها ذلك الوقت
حاولت الابتعاد عنه لكنني في الوقت نفسه كنت قد تعودت عليه

—-

في كل وعد وميعاد بيننا كان ينتابني مزيج من التوتر والارتباك والقلق 
كنت أشعر أن كل الناس يتلفتون و ينظرون إلي ويتهامسون عني
ولكنه كان يطلق رمحه بكلمات تستوطن قلبي مؤكداً صدق إحساسه ليهدأ من روعي
سألته  مرة
لماذا أنا دون غيري
كان مفتاح كلامه معي تعجبينني  ( جميلة ، رقيقة ونقية )
حينئذ لفني الخجل وتفتحت الورود الحمراء على وجنتي

بعد شهور عدة وللمرة الأولى صارحني
( أنتِ حبيبتي ، وطفلتي المدلّلة )
وهكذا اعتقدت بأنه سيكون مرفئي ومرساي

وفي اللقاء الأخير رقص قلبي على وقع موسيقى كلامه
حين اقسم لي أنني حبه الأول والأوحد
ثم وعدني بالثوب الأبيض بعد عودته من الخارج
ونظراً لكوني المخلوقة الأكثر عفوية على وجه الأرض
أطمئن قلبي صدقته ووضعت سرجي على فرسه وهمت مع وعده لي

—-

وذاك يوم لن أنساه
كان يوما قلب موازين حياتي رأساً على عقب
اقتربت من النافذة ، وبكل رحابة حب وأمل فتحتها
أوزع نظراتي بين الرصيف والشارع

وقف على ناصية الشارع ثم أشار إلي باللحاق به
أخذت أسرع الخطي وأكمل المسير وأنا التفت يمنة ويسرة
إلي أن لمحته علي الجانب الاخر من الشارع ، ينتظرني
عبرنا الشارع الرئيسي وأثناء استدارتنا نحو منعطف جانبي
فجأة ودون توقع وجدت عمي أمامي
تسمرت في مكاني وحبست أنفاسي
تلقيت منه صفعة عصفت بي
قبض بيد من حديد على معصمي واقتادني إلي المنزل
تناثرت منهم كلمات التوبيخ كالمطر تغرقني
ونظرات اللوم في عيونهم تمزقني
بينما جلست مرعوبة في مقعدي فاقدة إحساسي بمن حولي
وضعت رأسي بين يدي محاولةً الهروب بقلبي باحثة عن وجه أبي الذي كان يرافقني كتعويذة حارسة
أنادى عليه
( يا أبي أين أنت )
وقبل أن أعبر إلي العالم الأخر هزني أخي بعنف وقد تحول صوته إلي هدير طوفان
_ كيف تجرأتِ  ؟   
عاودت الاستنجاد  
لكن للأسف جاءني صوت الواقع  يسلخني من أملي
ويعيدني إلى قسوته ويذكرني
أن أبي ودعنا قبل عام دون إذن ودون سابق إنذار
——-
في ذلك اليوم
أحسست ببـــرودة نصل سيف  مسرور على وريدي حين رأيته متأبطاً ذراع فتاه معروفة بتعدد علاقاتها وخاتم فضي منحنى مثله يوماً يشع في إصبعها
بئس الحبيب الوغد لم يكن لقلبي حافظ أمين
أعطاني ظهره ولريح الخيبة تركني حزينةً
ويا له من ظلم
لجأ إلى التحايل والمكر وعزم أمره على الهروب وأنكار تعارفنا
بعد أن هيأ ضميره ومنحه لحفار القبور
—-
مرة أخرى ..
جمعتهم الطاولة المستديرة
نصبوا مقصلتهم 
احتشدوا واتفقوا
أعلنُوا قرار زواجي لأَسباب غير مقنعة
 صموا آذانهم عن صوت رجائي
كان همهم الوحيد حذفي من خارطة العائلة 
رحت أتخبط  كذبيحة تحاول الفكاك من دوامة عدم الاكتراث بي 
ومن أم  تهددني وتأمرني بالموافقة والا سيتبرأ منك الجميع
وأخت تتأفف بضجر ( سيطلقني زوجي بسببك ياتافهة  )
وجدة توبخني ليل نهار بصورة مذهلة
واخ  كلما حاضرني غرز خنجراً مسموماً في صدري بقوله
( لم أعد أطيق وجودك معنا(  
وعم دائم التأنيب والتقريع
وخال يضيف من عنده بغيظ
( الا تخجلين من نفسك )
جميعهم أدمنوا جلدي ولم يتوقفوا عن استخدام السوط  ومعايرتي والسخرية مني والاستهزاء بمشاعري البكر
بينما كانوا يجهلون تماما بعض الأمور ؛ مثلاً
لم يكن بيننا سوي بضع كلمات وبعض النظرات
كذلك خلال سبع سنوات التقينا فيها خمس مرات
دون ان يتخطى اللقاء عشر دقائق
لم تتشابك فيهم الأيدي يوماً ؛ ولم ألقي برأسي على كتفه
ولم يقبلني كعادة المراهقين
ولم نتبادل المزاح ، ولم تجمعنا وجبة خفيفة ولا كوب عصير
ولم نتبادل هدايا تذكارية ولا حتي أزهار، ولم تجمعنا صورة     فوتوغرافية ولا رسائل غرام ملونة
تلك التجربة العاطفية الوحيدة لي
والتي لاحقتني كقدر وحاصرتني كقضاء
وفي اللحظة نفسها تصاعدت أنفاسي بحرقة
وتلاحقت الأسئلة مندفعة تقفز في رأسي
ما الجرم الذى ركلوا به براءتي  حتي لم تعد تجدي نفعاً
و أي عار يعتقدون أني ألحقته بهم
لقد كنت صغيرة ذات أثني عشر عاماً ، مراهقة ، تستشعر الحب لأول مرة ؛ وكان هو كاذب كبير؛ ومازال
وما أن تجاوزت الثامنة عشر حتي اعتراني شعور بأني كبرت
 فرميت بقيود الخوف متمردة ؛ وبصوت كان دوماً مكتوماً
قلت :
 ” أنا لن أتزوج أبداً “

—-

وسط فوضى الذكريات وتداعياتها ، وفى نفس الشارع ولكن في زمن مختلف وباختلاف بعض التفاصيل  ما زلت أجلس في النافذة
أتوارى خلف غبائي وثلاثون عاماً من الوجع
ذلك الوجع الذي جعلني أتخذ قراري الذى لا رجعة فيه
بأن أظل عذراء ناصعة البياض
ففي الوقت الذى  لم أسمح فيه لأي محاولة حب الوصول إلى قلبي
تزوج هو وأقام الحفلات وعاش المواسم وأبتهج بالأعياد
وبالأمس كان يطفأ شمعته الستين وسط تصفيق أبنائه وأحفاده

 انتشلني من طوفان مرارتي هدير محرك حافلة قادمة  وبائع أخر يعلن بصوت محشرج عن بضاعته وأخر يعلي صوت فرقعة غناء ركيك من تسجيل سيارته  
وصوت أمي الخافت من الداخل يلح
أغلقي الباب البرد ينخر عظامي  
لحظتها لملمت إرث احباطاتي واتجهت إلى كل النوافذ والأبواب
وأحطتها بالسلاسل وأغلقتها بأحكام
——–
 

 

 

الكاتبة جيهان حكيم

كاتبة حرة وأدبية حصلت على العديد من الجوائز في القصة القصيرة ، خريجة إعلام القاهرة , نائب رئيس مجلس إدارة مجلة المجتمع سابقا ، نائب رئيس تحرير جريدة الأمة ، رئيس القسم الثقافي بصوت مصر الحرة ،كاتبة مقال الرأى بجرائد عدة منها جريدة العالم الحر _ صوت الوفد _جريدة الوتر _ نبض الشارع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى