أخبار إيرانأهم الاخبار

إفلاس صناديق التقاعد في إيران… حين تُنهب أموال المتقاعدين لتمويل القمع

إفلاس صناديق التقاعد في إيران… حين تُنهب أموال المتقاعدين لتمويل القمع

تعيش صناديق التقاعد في إيران واحدة من أسوأ أزماتها المالية، وسط احتجاجات متصاعدة من قِبل المتقاعدين الذين يواجهون العجز في صرف معاشاتهم الشهرية. وكشفت تقارير إعلامية من داخل النظام الإيراني، منها تقرير نشره موقع «بهار نيوز»، عن أن المتقاعدين نظموا خلال العام الفارسي الماضي أكثر من ٧٠ تجمعاً احتجاجياً، بمعدل لا يقل عن ٦ احتجاجات شهرياً.

وفي مقدمة هؤلاء المحتجين، يأتي متقاعدو قطاع الاتصالات الذين نظموا وحدهم ما لا يقل عن ٢٢ وقفة احتجاجية، يليهم متقاعدو «منظمة الضمان الاجتماعي» بـ١٧ احتجاجاً، ومتقاعدو قطاع صناعة الصلب بـ١١ احتجاجاً.

تغطي صناديق التقاعد السبعة عشر الموجودة حالياً في إيران نحو ٢٨ مليون شخص، من العاملين والمتقاعدين. لكن المفارقة الخطيرة تكمن في أن بعض أهم هذه الصناديق ــ ومنها صندوق التقاعد الوطني، وصندوق موظفي قطاع الصلب، ومنظمة تأمين القوات المسلحة التابعة للنظام ــ غير قادرة على دفع مستحقات المتقاعدين من مواردها الذاتية، وتعتمد بشكل كلي على ميزانية الدولة التي تعاني أصلاً من عجز متفاقم.

أين تذهب الأرباح؟

في وقت تتعالى فيه أصوات المتقاعدين المطالبين بحقوقهم، يُغضّ مسؤولو النظام الطرف عن الأسباب الحقيقية للأزمة، ويكتفون بتصريحات عامة لا تمس جوهر الفساد المؤسسي. فقد صرّح محمدرضا باهنر، العضو في «مجمع تشخيص مصلحة النظام»، دون أن يذكر احتجاجات المتقاعدين أو الدور المحوري لـ«حرس النظام الإيراني» في السيطرة على الاقتصاد، قائلاً:

«شركة صلب مباركة» (أكبر شركة للصلب في إيران) حققت خلال عام 2024 أرباحاً تُقدّر بـ١٠٠ ألف مليار تومان، ولكن أين ذهبت هذه الأرباح؟».

وأشار باهنر إلى أن ملكية الشركة تعود إلى ثلاثة أطراف:

بنك «سبه» بنسبة ٣٠٪

«أسهم العدالة» بنسبة ٤٠٪

شركة «إيميدرو» بنسبة ١٥٪

لكن هذه الأرقام التي تبدو للوهلة الأولى تجارية أو حكومية، تخفي وراءها الحقيقة الأهم، وهي أن جميع هذه الكيانات تخضع بشكل أو بآخر لهيمنة أجهزة النظام العسكرية والاقتصادية، وعلى رأسها «حرس النظام الإيراني».

من يملك صلب مباركة فعلياً؟

أولاً: بنك سپه

كان هذا البنك في الأساس بنكاً عسكرياً تابعاً لـ«الحرس»، لكنه خضع لتعديلات شكلية في ملكيته بعد العقوبات الأميركية لتجنب الملاحقة المالية، وأُلحق رسمياً بالبنك المركزي الإيراني. ومع ذلك، ما زال يُعتبر الأداة المالية الرئيسية للقيادة المشتركة للقوات المسلحة، وهو بذلك أداة من أدوات النظام لا مؤسسات مالية مستقلة.

ثانياً: أسهم العدالة

هي ليست مجرد مشروع اجتماعي لتوزيع الثروة، بل مؤسسة ضخمة تضم عشرات الآلاف من الموظفين وتخضع لهيئة الخصخصة الحكومية. وقد تم إنشاؤها لأغراض سياسية بحتة، وتحوّلت إلى كيان استثماري عملاق يتحكم بجزء كبير من أصول الدولة، ومنها ٤٠٪ من شركة صلب مباركة.

ثالثاً: شركة إيميدرو

وهي الذراع الرسمية لوزارة الصناعة والمناجم والتجارة، وتدير قطاع المعادن والصناعات التعدينية في البلاد. ومثل غيرها من المؤسسات الحكومية، فإنها خاضعة بشكل غير مباشر لسلطة أجهزة النظام الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها «الحرس».

الربح للنظام والخسارة للشعب

إذاً، فإن الجهات الثلاث المالكة لشركة صلب مباركة ليست سوى واجهات مختلفة لنظام واحد، يهيمن على مفاصل الاقتصاد. الأرباح الطائلة التي تحققها الشركة لا تُستثمر في تحسين وضع المتقاعدين، بل تُستخدم في تمويل أدوات القمع والتجسس ومشاريع التوسع الإقليمي. وفي مفارقة صارخة، فإن من تُنهب حقوقهم هم أنفسهم من تُستخدم أموالهم لقمع احتجاجاتهم.

إن العجز المالي في صناديق التقاعد، الذي يُراد إظهاره على أنه نتيجة طبيعية لأزمة اقتصادية، ليس سوى انعكاس مباشر للفساد المستشري والهيمنة العسكرية على الاقتصاد الإيراني. فالمتقاعد الذي أفنى عمره في خدمة الدولة يجد نفسه اليوم عاجزاً عن دفع كلفة دوائه أو تأمين احتياجاته الأساسية، في وقت تُهدر فيه المليارات على مشاريع النظام الأمنية والعسكرية.

لا يمكن معالجة أزمة صناديق التقاعد من خلال ترقيعات مؤقتة أو تحميل الضحية مسؤولية الكارثة. الحل يبدأ بكشف البنية الفاسدة التي نهبت ثروات البلاد، ومساءلة مؤسسات النظام العسكرية والاقتصادية التي حوّلت أموال المتقاعدين إلى وقود لماكينة القمع. ولن يتحقق هذا سوى عبر حراك شعبي واسع، يُجبر النظام على التراجع عن سياساته ونهبه المنظم لمقدّرات البلاد.

فما دام المتقاعد في إيران يُعامل كعبء وليس كصاحب حق، وما دام النظام مستمراً في اعتبار الدولة ملكية خاصة، فإن الأزمة لن تبقى ضمن صناديق التقاعد فحسب، بل ستتحول إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تهدد بنيان النظام نفسه.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم حاجب الاعلانات

يرجي غلق حاجب الاعلانات للاستمرار فى تصفح الجريدة